تدوينة

لا تتحدَّث بهذا لِأحَد من العرَب حتَّى لا تنقطع الرحمةُ بين النَّاس فلا يُغيث أحدٌ ملهوفاً بعدَ اليَوم!

عبارة عنوان التدوينة هي من مشهد في مسلسل الزير سالم، سأسرد لكم قصتها في إيجاز؛ بعد وفاة وائل بن ربيعة الملقب بكُليب قرر سالم أخوه أخذ الثأر له، فأعلن الحرب على بني مرة، والذين هم في الأصل أبناء عمّه، وجساس قاتل كُليْب أحد أبناء مرة العشرة، فشلت كل محاولات القبائل لحقن دماء أبناء العمومة ومنع الزير عن الحرب، إلا أنه لم يرض لا بديّة ولا بتسليم جساس، بل أراد أخاه حيا كما قالت له اليمامة ابنة وائل الكبرى حين سألها رؤساء القبائل ماذا تريد كمقابل لأبيها، عندها أحس مُرّة أن الحرب قائمة لا محالة فاقترح على بنيه أن يتركوا الحمى ويذهبوا للعيش في مكان بعيد عن عيون الزير وعن بني ربيعة، في ليلة من الليالي ذهب شُرَحبيل ابن مرة وهو الأخ الأوسط لجساس إلى الزير سالم للاستنجاد به وتبرئة ذمته مما فعله أخوه وأنه يريد حماية بني ربيعة في حال اكتشف والده أمر هروبه، استقبله الزير بعدما قرأ الصدق والأمانة في عينيه، وأمر خادمه بأن يطعمه ويهيئ له مكانا يليق به يقضي فيه ليله، فعل الخادم ما أمره به سالم، إلا أن اليمامة بنت كليب لم تكن مطمئنة لمجيء شرحبيل ولم تقنعها حجته التي ذكرها لسالم الزير، ولكنها لم تجد ما تفعله تجاه قرار عمها. بعدما نام الجميع، ذهب شرحبيل إلى اسطبل الخيول، بحث عن المُشهّر وهي خيل سالم، قام بفك رباطها، ركبها وذهب بها مسرعا، سمعت اليمامة صهيل الخيل فصاحت مسرعة نحو خارج القصر “إنه حصان عمي الزير”، أسرع الجميع نحو الاسطبل ولكن لم يستطع أحد اللحاق بالحصان وبشرحبيل. في صباح اليوم الموالي سأل مرة إبنه شرحبيل مندهشا”هذه حصان الزير! كيف استطعت سرقتها؟” أجابه شرحبيل “طلبتُ من الزير الإستغاثة فأغاثني وأكرمني، ونمت في حماه وفي الليل سرقتها من الاسطبل!” فقال له أبوه “ويحك!! لا تتحدث بهذا لأحد من العرب حتى لا تنقطع الرحمة بين الناس فلا يُغيث أحدٌ ملهوفاً بعد اليوم!” لم يكن شرحبيل يعلم أنه لا يستطيع أحد ترويض المشهر غير الزير سالم ولأنه أخذه بكل سهولة ليلة البارحة تفاجأ صباحا بأنها خيل صعبة المراس ولم يتمكن أحد من الفرسان المتواجدون في الساحة امتطاءها، في تلك الأثناء أقبل الزير نحوهم متنكرا في زي بائع متجول يسوق حمارته أكرمكم الله وبقي يراقبهم وهم يحاولون ترويضها واحدا تلو الآخر، تقدم نحوهم وعرض عليهم خدمته في ترويض الحصان وتهدئته قائلا بأنه كان يعمل سائسا في وقت سابق، قبل جساس عرضه، استغل الفرصة فامتطى حصانه وانطلق به مسرعا نحو القصر مهددا إياهم بما سأتيهم لاحقا.

مشهد من مسلسل الزير سالم حول القصة

قصة أخرى حدثت معي شخصيا هذه المرة، كنت في محطة القطار أنتظر قدومه لأذهب إلى مدينة وهران أين أقيم وأدرس، تقدم نحوي رجل أربعيني وهو يحمل كيسا صغيرا به مجموعة من الأوراق قائلا “أختي هل أنت ذاهبة إلى وهران؟ أريد أن أرسل معك هذه الأمانة لأحدهم تجدينه في المحطة ليأخذها منك؟” أجبته قائلة “آسفة لا أستطيع” بعد إلحاح طويل تأكد أنه ليس هناك مجال لمحاولة أخرى فتوجه نحو فتاة أخرى كانت تجلس على بعد حوالي ثلاث أمتار مني مرددا نفس الكلمات على مسمعها، فما كان من الفتاة إلا أن أجابته أن نعم، أعطاها الأمانة وزودها برقم الشخص الذي ستلتقيه في المحطة والذي ستتصل به عندما تصل لتسلِّم له الأمانة، عندما ذهب هذا الرجل خارج المحطة تقدم رجل الأمن من تلك الفتاة وسألها عما أعطاها الرجل، فأرته الكيس وقالت مجرد أوراق سأسلمها لأحدهم عند وصولي هناك، فقال لها “يا ابنتي كوني حذرة هذه المرة لا تستلمي أشياء مجهولة من أشخاص مجهولين، العديد من الأبرياء تورطوا في مشاكل لم يعملوا لها حسابا فقط لأنهم فعلوا ذلك عن حسن نية وحبا لفعل الخير!” حدّقت فيه الفتاة مندهشة مما يقوله رجل الأمن، أوصاها بأن تأخذ حذرها عند الوصول.

شاب ينتظر في محطة الترامواي، أراد شخص آخر سرقة هاتفه، تفطن له وقام بضربه واسترجاع هاتفه، ليفاجأ بمجموعة أخرى من الشبان قام أحدهم بضربه بالسلاح الأبيض على مستوى الفخذ، شاهده أحدهم وهو يصيح طلبا للنجدة فأراد إسعافه ونقله إلى الاستعجالات فورا، ذهب به إلى رصيف السيارات يطلب من السواق أن يتوقفوا له قبل أن يفقد الشاب حياته نتيجة النزيف الحاد الذي كان يعاني منه، ولكن أحدا لم يتوقف واجتمع الناس حول الشاب المصاب ولم يحرك أحد منهم ساكنا، واقفون فقط للتصوير والمشاهدة!!

هذين الموقفين والعديد من المواقف الأخرى جعلتني أتأمل في حالنا اليوم تجاه تقديم المساعدة لمن يستحقها، أو إغاثة الملهوف بمعنى أدق، لماذا صرنا نتوانى عن فعل الخير، هل للنتائج الوخيمة التي صارت تترتب عن هذا الخير دور في هذا، هل أولئك السواق الذين لم يتوقفوا لنقل الشاب إلى الاستعجالات كانوا خائفين من أن يتم اتهامهم بالجرح العمدي وبالتالي إحالتهم إلى السجن المؤقت حتى تثبت براءتهم، أم أنا التي رفضتُ أن أمسك الأوراق من الرجل وأسلمها لأصحابها خوفا من المجهول الذي ينتظرني عند محطة الوصول. سؤال يحيرني بشدة، لماذا تغيرت مفاهيم فعل الخير في مجتمعاتنا، منذ طفولتنا عُلمنا بأن لا نستلم حلويات من شخص غريب، وأن لا نستجيب لأي مناداة مهما كان صاحبها باستثناء والدينا، وأن لا نفتح باب المنزل لأي طارق، عشنا الرعب المعنوي دون وعي منا لتترجمه أدمغتنا إلى امساك عن فعل الخير عندما كبرنا، صرنا نقدم يد المساعدة وكلنا خوف وحذر من المجهول، صار الشخص البريء الذي يغيث ملهوفا يقال عنه “مسكين عنده النية” أو “مسكين إنسان طيب ويحب يدير الخير” ارتبطت كلمة مسكين بفاعل الخير لأن فعله هذا غالبا ما يضعه في مواقف صعبة ولكنه لا يكترث للنتائج، وما يهمه هو الأجر الذي يناله عند الله سبحانه وتعالى، حقيقة صار الموضوع يؤلمني بشدة، لم وصل بنا الحال إلى هاته الدرجة من اللامبالاة في تقديم المساعدة وصار الجميع يردد أمام كل موقف يستحق تكاثف الجهود لانقاذ شخص ما أو إيقاف عراك ما “أنا خاطيني” 💔

ناقشت الموضوع مرات عديدة مع من حولي ولكن لم أجد جوابا شافيا للحال التي نحن عليها الآن، قلب يتعصر من الداخل يرغب في تقديم المساعدة ولكن الجسد لا يحرك ساكنا، من الأشياء الطريفة حول الموضوع، درسنا في القانون الطبي أن الطبيب يحاسبه القانون المدني في حالة عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر، والاستثناء الوحيد من هذا هو أن يكون الطبيب هو كذلك في خطر يمنعه من المساعدة، أما غير ذلك فهو مكلف باسم القانون وعليه أن يطبق😅

6 رأي حول “لا تتحدَّث بهذا لِأحَد من العرَب حتَّى لا تنقطع الرحمةُ بين النَّاس فلا يُغيث أحدٌ ملهوفاً بعدَ اليَوم!

  1. ذكرتيني بمقطع مقلب شفته من زمان، كان عبارة عن اشخاص يوقفون عند الشباب الجالسين على رصيف تركي الاول اظن، ويرمون شاب فيه دم عندهم ويهربون..ردة فعل الجالسين اغلبها كانت لا تلمسه ويلا نهرب حتى بدون بلاغ..وكثير مقاطع للمقالب المشابهة اغلب الناس اشوفهم يخافون من تقديم المساعدة. عن نفسي بقدم المساعدة اذا كنت ببلدي اما لو كنت ببلد مختلف بخاف..وعن سبب تحوّل الناس أعتقد انه بسبب انتشار قصص (لا اعلم عن صحتها) عن اناس تورطوا بمشاكل بسبب تدني مستوى التحقيق والتأكد من المعلومات.

    Liked by 1 person

  2. والله يا خديجة صدقتِ، موضوع أرقني كثيرًا، لكن المخرج منه كما قال الأخ المهيري أن تبذل دون أن تتدخل بالنوايا وبعد أن تتأكد من أمان الخطوة، فما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وبالنسبة للتساؤلات فنعم، انقلبت الموازين من التجارب الفاشلة والمتراكمة، فالمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين. ومع ذلك لا ينبغي لنا أن نحجم بشكل نهائي عن المساعدة والبذل، لأن مجرد التفكير بشكل العالم وقتها شيء مفزع؛ المسألة تحتاج ضبط، فليس كل شخص يُساعَد ولا ينبغي أن نشق صدر الانسان عن نيته كي نساعده. أتذكر قصة قتل أسامة بن زيد للرجل الذي قال الشهادتين وسيف أسامة فوقه، كم عاتبه الرسول! وكم جعله ذلك أكثر حذرًا، رغم أنه برر للرسول فعلته الواضحة: يا رسول الله انما قالها خوفًا من السلاح. فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟
    النوايا لله، وما على الانسان إلا أن يحذر على نفسه ويتوكل على الله؛ الله يرحمنا في زمان شوش سفهاؤه عقول البقية.

    Liked by 1 person

  3. تحذير الأطفال من الغرباء فيه شيء من المنطق لكنه منطق لا يناسب الكبار، الحديث مع الغرباء يفترض أن يكون شيئاً عادياً للكبار، ومساعدة المحتاج يفترض ألا يحتاج للكثير من التفكير، نحن نرى الظاهر ولله الباطن، نحن نؤجر على المساعدة لأن هذه نياتنا وإن كان الشخص يدعي الحاجة فهذا حسابه عند الله.
    أما كلام الناس فلا فائدة منه، في النهاية نحن نؤجر على ما فعلنا أو نحاسب على ما لم نفعل، لا أود أن يأتيني محتاج ولا أساعده لأنني أشك في نياته.

    Liked by 1 person

    1. نعم هذه هي الفكرة التي أردت الوصول إليها من الموضوع ككل، نعمل الخير ونقدم المساعدة لمن يستحقها مهما كانت نيته، لأنه في الأخير الله أعلم بما في نفوسنا. ولكن لماذا الموازين انقلبت في الأذهان؟ هل للتجارب الاجتماعية المتراكمة دور في ذلك؟

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s