تدوينة

تدوينةٌ من المطبخ..حيثُ الأفكار لا تنتهي

مرحبا بالجميع، التدوينة السابعة ضمن تحدي رديف أكتبها لكم من المطبخ مباشرة، لا داعي للاستغراب ففكرة إنشاء المدونة أصلاً راودتني وأنا أُضيف القليل من الملح وكمشة الكزبرة إلى الشوربة وهي في المرحلة الأخيرة من الاستواء، إسم مساحتي على كورا “الطب بنُكهة الليمون” حصلتُ عليه وأنا أُحضر كعكة بنكهة البرتقال، والعديد من أفكار التدوينات الأخرى خطرت على ذهني وأنا أغسل الأطباق أو أطبخ شيئا ما، الأمر لا يتعلق بالمدونة والكتابة فقط، بل كل ما يحتاج مني إلى تفكير أجدني أحلله وأفسره أثناء تواجدي بالمطبخ أيا كان ما أفعله هناك، وأحيانا كثيرة ألجأ إليه عمدا لأحصل على أفكار جديدة، يحدث هذا غالبا عندما أتواجد في المطبخ بمفردي، كنت سابقا أستغرب لمَ يزعجني قدوم أحدهم للحديث معي وأنا أغسل الأواني أو أطبخ، لأكتشف فيما بعد أن هذا الانزعاج سببه انقطاع حبل أفكاري وكأن هذا الشخص أحضر دبوسا وفقع تلك الغيمة الوهمية المليئة بالأفكار المتشكلة فوق رأسي. عادة ما تبدأ رحلة تشكل الأفكار (الإبداعية منها) بارتداء مئزر المطبخ (ارتداؤه غالبا ما يكون بشكل لا إرادي) وتشغيل حلقة من بودكاست على الهاتف، في اللحظات الأولى للاستماع تركيزي كله يكون منصبا على الحلقة والأفكار التي يتم طرحها، ثم أبدأ تدريجيا بالانفصال عن الواقع الذي أتواجد فيه، عادة ما يحدث هذا أثناء عمل ما اعتدت القيام به بشكل لا واعي سواء تحضير وصفات اعتدت على تحضيرها أو غسل الأواني، أما تحضير وصفة جديدة فأجتهد لأُبقي تركيزي حاضرا على ما أفعله فأغلق صنبور الأفكار خاصتي وأحاول منعها من التدفق. قرأتُ مرة أن أدمغتنا تطلق مواد كيميائية تتوضع على خلايا الفص الصدغي للدماغ عندما يصرف انتباهنا شيء آخر فيبدأ الإبداع بالتشكل. أظن أن ما يحدث معي يحدث كذلك مع العديد من الأشخاص، ربما تختلف الأماكن والأوقات التي تتولد فيها الأفكار ولكن تبقى النتيجة واحدة، فبعض الأشخاص يحصل على تلك الأفكار وهو جالس أمام مكتبه المليء بالفوضى كما ذكر ذلك الأستاذ يونس في تدوينته، وبعضهم الآخر يحصل عليها أثناء المشي في مكان هادئ، وآخرون أثناء الاستحمام وغيرها الكثير من الأماكن.

دائما ما أحرص على كتابة ما يخطر على بالي من أفكار مهما كان نوعها وتدوينها على مفكرة الهاتف مباشرة قبل أن تتلاشى، في أحد الأيام وأثناء تواجدي بالمطبخ حضرتني فكرة لكتابة منشور على مساحة الطب بنكهة الليمون على كورا وأردتُ أن أُرفقه بتصميم خاص على شكل أنفوغرافيك، بدأت فكرة التصميم تظهر شيئا فشيئا ولكن المؤسف أني لم أدون المخطط الذي وضعته لها ظنا مني أني سأتذكره لاحقا، أنهيت ما كنت أقوم به وتوجهتُ فورا إلى تشغيل الحاسوب لأُنفذ الفكرة فإذا بها تختفي تماما، كل ما تذكرته هو موضوع المنشور، حاولت مرارا لأسترجعها ولكنها اختفت تماما، رحت أسعى لتنفيذ فكرة أخرى علَّها تكون أفضل، بمجرد ما إن بدأت بالتفكير فيها من جديد حتى صاح عقلي “ليست فكرة جيدة بالمرة، الأفضل أن تتخلي عنها” ووصفها بأنها فكرة غبية ولا عقلانية. كل ما فعلته أني تخليتُ عن الفكرة الثانية أيضا، انتابني شيء من الفتور قمتُ فأغلقت الحاسوب ورحتُ أذاكر. لماذا حدث هذا وكيف حدث؟ ستتعرفون عليه حالا، تابعوا معي.

القليل من فيزيولوجيا الدماغ وكيف تتولد أفكارنا الإبداعية؟

يتم تخزين أنواع مختلفة من الذكريات في أجزاء مختلفة من الدماغ وهو ما نطلق عليه إسم الذاكرة، علاوة على ذلك، يتم تخزين الذكريات المتشابهة بالقرب من بعضها البعض وأثبت علماء الأعصاب ذلك من خلال عمل مقاطع للدماغ عن طريق التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) لشخص ما أثناء عملية التفكير في موضوع معين أو في مجموعة في مواضيع تصب في نفس الفكرة الرئيسية. وذكروا كمثال على ذلك أنه عندما يطلب من أحدهم متوسط النشاط الابداعي استخراج فكرة إبداعية لاستغلال علبة أحذية، قد يغلب عليه التفكير في صنع صندوق أشياء لأن هذه الفكرة مترسخة في ذهنه منذ الطفولة ومرتبطة بذكرى معينة، وعند إجراء التصوير بالرنين المغناطيسي قد نحصل على نشاط دماغي في منطقة محددة قد تكون مخزن ذكريات متعلقة بصنع صناديق صغيرة لتخزين الأشياء. في نفس الوقت الذي يحدث فيه هذا، سيقوم جزء من دماغ هذا الشخص يعرف بالقشرة الأمامية الجبهية بفحص تلك الأفكار ومعالجتها قبل أن يسمح لها بالتطور. هذا الجزء من الدماغ هو بمثابة مرشح الرقابة المسؤول عن تنظيم التفكير والعمل والتنفيذ. وهو ما يمنعنا من التصرف بطرق قد تكون غير مناسبة أو غير لائقة. يمنعنا من قول أشياء غبية قد تجعلنا أضحوكة بين أصدقائنا وزملائنا وقد يجعلهم هذا ينظرون إلينا باستخفاف. بالمختصر، هذا الجزء من الدماغ يبقينا بعيدًا عن المشاكل وهذا شيء جيد لنا.
يقوم مرشح الرقابة هذا بمراجعة الأفكار، عندما نقوم بتوليدها، فيُلغي الأفكار التي يحتمل أن تكون غبية أو مجنونة أو محرجة. لسوء الحظ، غالبًا ما تكون هذه الأفكار هي أيضا الأفكار الأكثر إبداعًا. في الواقع، تبدو معظم الأفكار الإبداعية العظيمة حقًا غبية في البداية. على سبيل المثال، نبقى مع علبة الأحذية، تخيل أن مفكرنا ذو الإبداع المتوسط يفكر في صنع قبعة مكعبة الشكل وتزيينها ببعض الخرز اللامع. على الأرجح، سيرفض مرشح الرقابة على الفور الفكرة باعتبارها محرجة وغبية. لذلك، قبل أن تتشكل الفكرة بالكامل في ذهنه يتم رفضها.

إذا هل خمنتم من كان مسؤولا عن إيقاف فكرة تصميم أنفوغرافيك خاص بمنشوري؟ نعم إنه الفص الجبهي، الجزء الأكثر عقلانية في الدماغ عكس الفص الصدغي- temporal lobe الذي يعتبر أيضا أحد الفصوص الأربع الرئيسية للجهاز العصبي المركزي، ويأتي بالقرب من العمود الفقري. إنه نقيض الفص الجبهي تماما فهو مرتبط بالإثارة والإبداع والتجارب اللاعقلانية والأفكار الجنونية. من يومها قررت أن أدون كل فكرة تطأ على ذهني مهما كانت درجة تفاهتها وغبائها.

في القرن الماضي كان يعتقد أن الجزء الأيمن من الدماغ هو المسؤول الأول عن كل ما يتعلق بالإبداع بينما الجزء الأيسر منه فيقوم بكل ما يتعلق بالتنظيم وإصدار القرارات الصائبة..الخ، ولكن هذه النظرية تم دحضها سنة 2013 من طرف باحثين في علم الأعصاب بجامعة يوتا-University of Utah* أين خلصوا بعد إجراء العديد من مقاطع التصوير بالرنين المغناطيسي على أشخاص يتسمون بالإبداع الفني وآخرين لا إلى أن “بياناتنا لا تتفق مع النمط الظاهري للدماغ” بمعنى آخر: نحن جميعا نستخدم جانبي أدمغتنا، ولا أحد منا لديه جانب أقوى! وخلص البحث إلى أن الإبداع يشمل الفص الأمامي والفصين الصدغيين وما بينهما من المادة البيضاء التي تتمثل وظيفتها الرئيسية في الربط بين العناصر الهيكلية المختلفة للدماغ، وكلما كانت هذه الهياكل متصلة بشكل جيد، كان بإمكان الدماغ معالجة المعلومات بشكل أفضل وأسرع. حيث أنه في العملية الإبداعية، يمكن للدماغ المتصل جيدًا أن يسمح بتجميع المزيد من الأفكار والربط بينها بشكل أسرع. هذه النتيجة مهمة جدا لأنها تعكس فكرة أن الأشخاص المبدعين لديهم “دماغ متكامل” بمعنى آخر، الأشخاص الأكثر إبداعًا هم أكثر قدرة على معالجة المعلومات من جانبي الدماغ الأيمن والأيسر.

*يمكنك الاطلاع على الدراسة ونتائجها ومشاهدة التصوير بالرنين المغناطيسي من خلال هذا الرابط An Evaluation of the Left-Brain vs. Right-Brain Hypothesis with Resting State Functional Connectivity Magnetic Resonance Imaging

أتيت إلى نهاية التدوينة، وأختمها بسؤال “ماهي أكثر فكرة جنونية خطرت على ذهنك؟ وهل قام الفص الجبهي بمهمته أنذاك أم تم تنفيذها؟”

تحياتي~

صورة التدوينة محفوظة.

3 رأي حول “تدوينةٌ من المطبخ..حيثُ الأفكار لا تنتهي

  1. مقالة مميزة حقًا، أشكرك بعمق عليها يا خديجة، استمتعت بكل حرف منها.💕🙏
    بالنسبة لسؤالك، بصراحة تطرأ علي الأفكار الجنونية بلا حساب، وكأبسط مثال فكرة القفز لحضن أي شخص عزيز أثناء حديثه معي، أو فكرة الغناء في جلسة كبيرة أو حتى انشاء نشاط ترفيهي أو مشاريع جبارة قبل النوم بدقائق… إلخ وهناك بالطبع أفكار غبية على الدوام، صدقتِ وأشاركك في تدوينها على الرغم من تفاهتها، بل إن بعضها بعد حين لما نقرأها نجد فيها غموضًا مضحكًا والله.

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s