تدوينة

عقلي بحاجة إلى زر “إيقاف التشغيل”

أصدقائي، يا أهلا وسهلا، عساكم بصحة وعافية ^^

الثامن عشر من رمضان، هذه أول تدوينة أكتبها لهذا الشهر الفضيل، مرَّت الأيام بسرعة وها نحن على مقربة من العشر الأواخر، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ووفقنا لما تبقى.

موضوع هذه التدوينة دائما ما يشغل تفكيري، حاولت أكثر من مرة أن أكتب عنه ولكن لم تتوفر لديّ المعلومات الكافية حوله، ولكن اليوم في جعبتي الكثير لأقوله، فرط التفكير أو الـoverthinking الذي يعاني منه العديد من الأشخاص وأنا واحدة منهم وهذا ما شجعني للكتابة عنه وطرحه اليوم، إنه مرتبط أيما ارتباط بكوننا بشر لدينا ميزة تسمى عقل شغالة 24سا/24 من دون توقف.

قبل أن أبدأ في طرح الموضوع سأعطيكم نبذة عن وضعي الذي كنت عليه سابقا مع فرط التفكير، كعادتي قبل أن أنام أضبط المنبه على ساعة معينة للإستيقاظ، أستغرق على الأقل نصف ساعة إلى ساعة قبل أن أغفو الغفوة الأولى، أفكر فيما سأفعله في اليوم الموالي، ما الذي سأرتديه من ملابس للذهاب إلى الكليّة، هل هي مناسبة لطقس يوم غد أم أنه عليّ اختيار أخرى غيرها وماذا إن حدث تغير مفاجئ في الجو كيف سأتصرف؟ بعد أخذ ورد يتم اختيار الملابس بنجاح، والآن ماذا عن المحاضرة، الكلية بعيدة جدا عن المشفى الذي أتربص فيه وأنا أريد حضورها لأن الأستاذ المحاضر ليوم غد يشرح جيدا وعليّ أن أستغل الفرصة لفهم الدرس، ولكن لا أظن أنني سأصل في الوقت المحدد إلى الكلية إذا ستفوتني المحاضرة، حسنا لا بأس سأحاول قدر الإمكان أن أسرع لأصل، آه تذكرت، على ذكر التربص لا أعلم مالذي ينتظرني غدا، أكثر ما أهابه تلك التقييمات المفاجئة التي يقوم بها الدكتور من حين لآخر، والتي عليّ أن أكون مستعدة لها دوما وإلا سيؤثر ذلك على علامة الإمتحان التطبيقي، حسنا ربما أتذكر بعضا مما قاله في الحصة السابقة، بعد أن أنتهي من المحاضرة يلزمني أن أذهب إلى المطبعة لطبع أكوام الدروس التي درسناها في الأيام الأخيرة، أبدأ بعدِّها وتصنيفها في رأسي حسب الأهمية، ثم يبدأ التفكير في كيفية الوصول إلى المطبعة بسرعة قبل أن يتوافد طلاب الكلية جميعا بعد انتهاء المحاضرات وتفادي الإنتظار لساعتين إضافيتين، تذكرت كذلك بأنه ينقصني بعض لوازم الغرفة عليّ شراؤها قبل الدخول إلى الإقامة لأنه بطبيعة الحال الأسعار تختلف بين الدكاكين خارج السكن الجامعي وداخله، على ذكر الشراء.. أمم ليس لديّ المال الكافي لتمضية بقية هذا الأسبوع ربما عليّ أن أقتصد في المصاريف قليلا، وإذا لزم الأمر سأعود في نهاية الأسبوع إلى البيت، ولكن لم يتبق على الإمتحانات الكثير من الوقت، وامتحان التربص سيكون يوم الأحد المقبل، إذا ما قررت الذهاب إلى البيت سأستغل أي دقيقة إضافية حاليا للمذاكرة لأنه بطبيعة الحال لن يتسنى لي الوقت الكافي لفعل ذلك في البيت، حسنا لا بأس، سأترك الأمور تأخذ مجراها الطبيعي، ولن أفكر في شيء مجددا، أحاول أن أنام، فأتذكر البيت وكيف هو حال أمي مع الأعمال المنزلية، أكيد هي مُتعبة، ولكنها تُنكر ذلك كلما سألتها عن حالها فتقول “الحمد لله” أعود وأفكر مجددا وأقول لابد من الذهاب في نهاية الأسبوع إلى البيت، لعلي أقضي عنها بعض الأعمال، كعادتي أتمنى لو أني كنت أدرس في كلية قريبة من البيت حينها لن أضطر للتفكير بكل هذا، تتضارب سلسلة لامتناهية من الأفكار داخل رأسي، بعضها حول ما يخبؤه لي المستقبل وأخرى حول ماجرى بالأمس، وأخيرا أستسلم لكل تلك الترهات وأقول “كفى يا خديجة نامي بالله عليك الوقت متأخر وعليك الإستيقاظ باكرا !!”

هذه نبذة صغيرة جدا عما يحدث معي يوميا، عقلي لا يتوقف عن التفكير أبدا، في فترة سابقة كنت أشعر بإعياء شديد جراء فرط التفكير هذا، حتى أني صرت أستيقظ من النوم متعبة وليس لي رغبة في فعل شيء، ولكن في نفس الوقت أفكر في كل شيء وأحلل كل شيء، قرأت بعض المقالات والكتب التي توصي بضرورة التخلي عن هذا التفكير الزائد، عليّ أن أحافظ على صحتي العقلية وإلا…

حسنا، بعد عدة قراءات توصلت إلى أنه ما يجعلنا نفرط في التفكير هو أننا نهتم زيادة عن اللزوم بكل شيء، كل شيء يتعلق بنا أو بالآخرين من حولنا يحوز على تفكيرنا، نصنع سيناريوهات لكل شيء، نحلل ونناقش أفكارا غير موجودة على أرض الواقع ولكنها موجودة داخل أدمغتنا، وتشغل حيزا كبيرا من وقتنا، تولد بداخلنا شعورا بالقلق يلازمنا أينما ذهبنا.

من وجهة نظر علمية، الإفراط في التفكير له علاقة بفرط نشاط القشرة المخية الحديثة* (جزء من الدماغ بالقرب من الجبهة)، بالإضافة إلى استخدام النصف المخي الأيسر في الغالب. (بحسب ماهو معلوم أن الدماغ الأيسر تحليلي والدماغ الأيمن تخيلي)، بوجود هذه القشرة المخية الحديثة لدينا نحن البشر على خلاف باقي الكائنات الحية الأخرى هو ما جعل ملكة التحليل والتفكير قبل التصرف شيئا ميزنا الله به عن غيرنا من المخلوقات، لذلك عزيزي القارئ أول شيء يمكنك فعله الآن هو أن تتوقف عن جعل التفكير الزائد معضلة كبيرة عليك التخلص منها، هذه نصيحة لي ولك، لأني لاحظت ذلك عن تجربة كلما حاولت كبح سيل الأفكار المتدفقة عندي، كلما زاد تدفقها غزارة، وهذا ما لم أستطع السيطرة عليه، لذلك توقفت عن كبح عقلي من التفكير المفرط بكل شيء، بدلا من ذلك قمت بتغيير وجهة نظري للأمور. وتوقفت عن محاربة أفكاري، وبدلاً من ذلك، صرت ألجأ إلى تدوينها وإلى إعادة توجيه انتباهي إلى حل المشكلة بدل التفكير في المشكلة بحد ذاتها، وبالتالي أصبحت أستغل قدرتي على التحليل لصالحي، هناك شيء كنت أغفل عنه شخصيا وهو أن أصحاب التفكير المفرط مصنفين بكونهم منفتحي الذهن وسريعي البديهة بالإضافة إلى أن تلك التفاصيل الدقيقة التي يغفل عنها الآخرون هي التي تشد انتباههم.

والآن إليكم بعض النصائح التي جمعتها من مقالات متنوعة كنت قد قرأتها حول الموضوع فقمت بتلخيصها على شكل رؤوس أقلام لعلها تفيدني وتفيدكم.

  • حاول أن تضع طاقتك التحليلية كلها في الإبداع: هل تحب الكتابة، الطبخ، التصميم، الرياضة، الرسم أو تحرير الفيديو أو أي عمل آخر يمكن أن يدرب عقلك الإبداعي، قم بعمله فور بدء تدفق الأفكار التحليلية داخل عقلك. ستعمل العملية الإبداعية على تصفية ذهنك من الأفكار السلبية. بما أن الإبداع يتطلب منك تركيزًا عاليا فيما تقوم به، إذا سيلهيك هذا عن كل شيء آخر.
  • عش اللحظة الحالية دائمًا وكن حاضرا، حاول أن تنسى المهام التي ينبغي عليك القيام بها غداً بعد الانتهاء من العمل، أو الفواتير التي تحتاج إلى دفعها الأسبوع المقبل، أو عدم وضوح معالم مستقبلك الذي لم تصل إليه بعد. فعندما تترك نفسك فريسة لمثل هذه الأفكار، وتسمح لها بأن تتزاحم في عقلك، ستضر جسمك وربما يؤدي الأمر إلى الإصابة بالقلق، الاكتئاب، التوتر والإجهاد المزمن فضلاً عن غيرها من المشكلات الخطيرة. والحقيقة أن معظم حالات القلق التي تصيبنا تنتج بسهولة عن محاولتنا للعيش في زمن آخر غير الزمن الذي نعيش فيه الآن، لذا عد مرة أخرى إلى الحاضر كلما شعرت أن أفكارك تأخذك لمكان أو زمان آخر.
  • إذا كان الوقت متأخرًا في الليل وكل ما تريد فعله هو النوم ولكن لا يمكنك التوقف عن التفكير، مرة أخرى، لا تقاوم ذلك. لكن يمكنك أن تحاول أن تكون عقلانيًا حيال ذلك. لماذا تعتقد أن لديك هذه الأفكار؟ حدد المشكلة. إذا كان هناك حل، فكر في الحلول الممكنة وإذا تطلب منك الأمر قم بكتابتها في دفتر خاص.
  • في معظم الأحيان فرط التفكير يكون له مسبب رئيس وهو الخوف من حدوث مالم تتوقعه ومالم تحسب له حسابا مسبقا، تركيزك على تلك المخاوف التي قد تحدث، سيزيد من احتمالية تشويشك وزيادة تدفق الأفكار، لذلك في المرة القادمة حاول أن تتقبل ما يمكن أن يحدث سواء كان جيدا أم سيئا لأنك في النهاية بشر ولا يمكنك أن تسيطر على كل شيء يحدث من حولك.

برأيي الإستراتيجية الوحيدة التي ساعدتني عندما فشل كل شيء آخر هي ترشيد كل فكرة وإبقائها قصيرة وبسيطة وواقعية وعملية، لأنها ساعدتني في نهاية المطاف على كسر سلسلة التفكير السلبي والإفراط في التفكير.

والآن أتيت إلى نهاية التدوينة، آمل أنها قد أضافت لكم ولو شيئا يسيرا من المعرفة، شاركوني رأيكم حول موضوع التفكير المفرط، كيف كانت تجربتكم معه وكيف تخلصتم منه.

إلى تدوينة أخرى، في أمان الله.

14 رأي حول “عقلي بحاجة إلى زر “إيقاف التشغيل”

  1. صراحة مخي نحس فيه راح يتحرق هلكني التفكير المفرط .من اشياء صغيرة اقوم بتصور الاف السيناريوهات ولو ان اكثرها سلب وهذا الامر الذي يتعبني اكثر صعوبة في النوم .حاولت المجابهة كما ذكرت في مدونت لكنني احس نفسي سافشل .يعني مقالك جاء في وقته اعطيني حلول عملية قمت بها وفعلا اتت بثمارها

    Liked by 1 person

    1. على سلامتك أخي،
      أول شيء لا تقاوم تلك الأفكار، محاولة كبحها سيؤدي إلى تدفقها أكثر
      قبل النوم قم بكتابة ما يجول بخاطرك، اكتب كل موقف مررت به ذلك اليوم أو سابقا ورأيت بأنه يسلب كل تفكيرك
      حاول أن تشغل نفسك في أوقات الفراغ بأنشطة تتطلب منك تركيز عالي، لأنك بهذا تصرف تركيز عقلك عن التفكير الزائد.
      هذه أهم الحلول التي استفدت منها شخصيا، ولكن عليك أن تتذكر أن التفكير المفرط ليس سيئا أبدا على العكس تماما، فقط حاول أن تفكر في حلول لكل مشكلة تمر بها بدل التفكير في المشكلة بحد ذاتها.
      كل التوفيق

      Liked by 1 person

      1. ساحاول تطبيق ما وصفته بذن الله .وحبذا لو تواصلين الكتابة في موضوع احيانا مهما سمحت لك الفرصة بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

        Liked by 1 person

  2. حاولت كذلك كبح التفكير وقرأت الكثير من الطرق لفعل ذلك ولكن أغلبها لم تنجح، إلى أن توصلت لفكرة وجود علاقة عكسية بين حركة الجسد وحركة العقل؛ فإن زادت الأولى قلت الثانية (والعكس صحيح)

    لاحظت أن تفكيري يقل أثناء ممارسة التمارين الرياضية، ربما يكون ذلك بسبب التركيز الأكبر على الجسد وبالتالي لم أعِر اهتمامًا لعقلي، فسئم وقلل من أفكاره ^_^

    كذلك تقل الأفكار عند المشي، خاصة في الطرق الوعرة، إذ حينها نصُب كامل تركيزنا في الطريق لتجنب خطر التعثر والوقوع ^_^

    هذه هي الطريقة الوحيدة التي تنجح معي حتى الآن، وأؤيد تعليق ريماس بخصوص كتاب قوة الآن، فقد ساعدتني بعض التمارين الموجودة فيه نسبيًا.

    Liked by 1 person

  3. اعتقد أن الكثير منا يمكنه أن يشعر بصلة بما ذكرته، على الأقل أنا شعرت بذلك إذ أنني عانيت منه. لا أظن أنه بإمكاننا التخلي عن هذا الأمر تمامًا، بل إنه أمر سلبي. ولكن ما يجب السعي له هو تحقيق التوازن. الأمر الأهم هو الوعي بهذه الأفكار وعدم محاولة إيقافها، لأنها ستعود أضعافًا. معرفة نوع أفكارنا والمشاعر المرتبطة بها سواء قلق، سعادة، حزن، يساعد في حلها.
    شخصيًا ساعدني كتابان في التعامل مع هذا الموضوع، وهما قلق السعي إلى المكانة وقوة الآن. كذلك في حالات التشتت الكثيرة أعطي نفسي وقتًا للتفكير في الأمر لأستطيع بعدها إكمال بقية مهامي، فمثلاً أضبط المؤقت لعشر دقائق وأسجل كل شي يدور في عقلي، أو على العقل أعي به. بعد ذلك أستطيع الانتقال للأمور الأخرى دون معاودة التفكير به لبعض الوقت.
    أخيرًا هي رحلة، لا تحصل بخطوة واحدة. وتختلف نسبيًا من شخص لآخر حسب نوعية الأفكار وما يقلقه، هل هي دراسة، وظيفة، علاقة، أم أمور أخرى.

    Liked by 1 person

    1. نعم أفضل طريقة للتقليل من التفكير المفرط هو عدم كبحه ومقاومته،
      بالنسبة للكتب قرأت كتاب قوة الآن ولكن لم أطلع بعد على قلق السعي الى المكانة ولكنه في القائمة بإذن الله.
      ممتنة جدا لك ريماس لمشاركتنا تجربتك ورأيك في الموضوع😊🌸

      إعجاب

  4. رمضان مبارك خديجة، وجمعة مباركة ..
    كم أشتاق الى تدويناتك، كنّا نكتب كثيرا في مثل هذا الوقت السنة الفارطة بسبب عدم الدراسة، لكن ها نحن نعاني الآن من الروتين غير المنظم..
    ما قلته في تدوينتك هو معظلة كونية، أتمنى ان نجد لها حلا جذريا..

    موفقة عزيزتي..

    Liked by 1 person

    1. أهلا شروق، رمضان مبارك لك أيضا تقبل الله منا ومنكم.
      صراحة اشتقت إلى تلك الأيام 😅 ولكن دوام الحال من المحال أليس كذلك؟
      موفقة أنت كذلك شروق 😘💗

      إعجاب

  5. كما قلت سابقًا العقل خُلق كي يفكر، مسألة أننا نحجب عنه وظيفة خُلق لأجلها يعيد تحفيز شريط الأفكار ليتدفق أكثر.

    بالمناسبة رمضان مبارك عليكِ خديجة، ما أخبار الدراسة في روتين رمضان وإنقلاب الليل إلى نهار؟

    Liked by 1 person

    1. أهلا وسهلا عصمت، كيف أحوالك؟
      رمضان مبارك، تقبل الله منا ومنكم
      آخ من الروتين ههه، المشكلة أنني يوم كائن ليلي ويوم كائن نهاري حسب الظروف 😅

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s