أفكار

التكرار..أسلوب تعلُّم فاشل !

أهلا بالجميع..عساكم بخير

كوني شخص لا يملك ميزة الحفظ السريع دفعني ذلك للبحث في كل مرة عن الطريقة المناسبة لتذكر المعلومات و المقررات الدراسية الطويلة بعيدا عن الحفظ بالتكرار كالببغاء، فسابقاً أيام الثانوية كنت أعتمد على الفهم في التذكر، و إلا تطبيق المعلومة و قد أفادني ذلك حينها لأني أؤيد بشدة مقولة بنجامين فراكلين “أخبرني و سوف أنسى، علمني و قد أتذكر، أشركني و سأتعلم”، ولكن منذ اِلتحاقي بالكلية صارت كمية المعلومات تزيد كل عام ضعفا عن العام الذي سبق و كان لابد من اسرتجاع المعلومات القديمة لضمان الفهم الصحيح للمعلومات الجديدة، فعملية التذكر أصبحت متعبة جدا بالنسبة لي خاصة و أن كل ماهو غير مفهوم لن يرسخ ولو لنصف ساعة وبالتالي فإن ذلك صار يأخذ مني الكثير من الوقت أثناء المذاكرة، حاولت تقليد من يحفظون المقرر عن ظهر قلب عن طريق التكرار ولكني فشلت إضافة إلى أن كل ما أحفظه يتبخر بعد الإمتحان مباشرة..فهل من طريقة تضمن لي استرجاع المعلومات التي درستها و ذاكرتها و لا تتطلب مني التكرار باستمرار؟…نعم هناك أكثر من واحدة وهذا ما توصلت إليه بعد إتمامي لدورة “تعلم كيف تتعلم” “learning how to learn” على منصة كورسيرا، الدورة كانت جيدة كفاية لتجعلني أفهم عملية التذكر عند الإنسان و كيف يتم تخزين المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى ثم طويلة المدى و استرجاعها بعد ذلك.

ربما ما سأكتبه في هذه التدوينة ليس جديدا عليكم لأنكم بالطبع قد قرأتموه أو شاهدتموه سابقا في أكثر من موقع أو فيديو و لكن لا بأس سأشارك معكم ما تعلمته وأتمنى أن تستفيدوا منه.

التكرار..أسلوب تعلم فاشل !!

تذكروا العبارة فوق جيداً..و الآن هذه بعض الأساليب و الطرق التي أصبحت أتبعها في التذكر واسترجاع المعلومات:

  • أولا : استرجع ما تعلَّمت، لا تُعد قراءته: تعتبر القراءة السلبية أحد أساليب الدراسة الشائعة بين الطلاب، و أنا من بينهم، بحيث كنت أعتبر أن قراءة المعلومة الجديدة مرة واحدة لا تكفي، لذا ألجأ لقراءتها عدة مرات ظنا مني أن ذلك سيكون مفيدا و كافيا، و لكنها أكيد طريقة فاشلة، فمن بين السلبيات التي نتجت عن الإعتماد على التكرار في ترسيخ المعلومات مايلي: استهلاك الكثير من الوقت، و لا ينتج عنها ذاكرة قوية، وكثيرا ما تنطوي على خداع الذات دون قصد بسبب ألفة النص وليس إتقان المادة..و العكس صحيح بحيث أن عملية الإسترجاع لتذكر المعلومة الجديدة أسلوب فعَّال لتكوين ذاكرة قوية و متينة أَكثَر من إعادة القراءة، و أساس الإسترجاع هو أن تختبر معرفتك بالمادة المقروءة، إما باستخدام بطاقات التذكر flash cards أو طرح أسئلة على نفسك تتعلق بالموضوع وعليك الإجابة عليها، هذه الطريقة تجعلك تكتشف ما تعلمت و ما لم تتعلم بعد، و بالتالي تعرف أين تضع تركيزك لاحقا لتحسين نقاط ضعفك، إضافة إلى أنها تجعل عقلك يوطِّد الذاكرة مما يقوي ارتباطه بما تعرفه مسبقا و يسهل عليك التذكر والإسترجاع مستقبلا..إذا كقاعدة “اختبار الإسترجاع يعارض النسيان”.
  • ثانيا، باعد بين فترات تعلمك : من بين أنجح الطرق في عملية ترسيخ المعلومات هي أن تسمح بمضي وقت كاف بين جلسات المذاكرة حتى تنسى بعضا من المادة، وهذا النسيان يجعل استرجاع المعلومات خلال جلسة الدراسة القادمة أكثر صعوبة، وبذلك يتطلب منك مجهودا أكثر، حيث أظهرت الدراسات أن الجهد المبذول أثناء الدراسة يؤدي أيضا إلى تعلم أقوى، اقرأ المادة للمرة الأولى، استرجعها بعد يوم، ثم أسبوع ثم بعد شهر ليتم ترسيخها بصورة نهائية في الذاكرة طويلة المدى.
  • ثالثا، لا تنس وقت الراحة : عندما يصعب عليك حل مسألة ما، أو فهم موضوع معقد أو معلومة ما، خذ وقتا مستقطعا للراحة، تقول الدكتورة باربرا أوكلي في الدورة أن هذا الوقت المستقطع ينشط ما أسمته بـ نمط التفكير الموزع-Distributed thinking style وهو نوع من التفكير المعزز للإبداع، حيث تقول “منذ بداية القرن الواحد و العشرين حقق علماء الأعصاب تقدما عظيما في فهم نوعين من الشبكات، يقوم الدماغ بالتبديل بينهما، شبكة تعنى بحالات الإنتباه العالية، وأخرى بحالات الإسترخاء والراحة، سنسمي عملية التفكير المتعلقة بهذين النوعين من الشبكات بنمط التفكير المركز للحالات الأولى و نمط التفكير الموزع للحالات الثانية، وهذان النمطان مهمان في التعلم ” أثناء العمل المباشر على شيء ما يستخدم دماغنا نمط التفكير المركز، أما نمط التفكير الموزع فينشط عند التوقف عن نشاط ما و البدء بآخر، فيسمح ذلك لك و لعقلك بالإسترخاء، و من الأنشطة التي تُفعل نمط التفكير الموزع : المشي في الطبيعة، أخذ قيلولة قصيرة أو الإستماع لشيء ممتع. إن ذلك يحفز أدمغتنا على الإبداع حسب الدكتورة أوكلي.
  • رابعا، إعلم أن قدرتك الذهنية ليست ثابتة: نقع غالبا في فخ الظن أن موضوعا معينا أو دراسة لمادة ما صعب علينا لدرجة كبيرة، و أننا لا نملك القوة العقلية والذكاء الكافي لتعلم شيء ما، ولكن أظهر البحث الذي أجرته المختصة النفسية كارل دوك أن الذين يحافظون على إيمانهم في تحسُّن قدراتهم الذهنية يؤدون بصورة أفضل بكثير عند تعلمهم لمهارات جديدة من الذين لا يملكون هذا الإيمان، بحيث يكثر بين الناس الإعتقاد بأن قدراتهم الذهنية محددة بجيناتهم وأعمارهم أو أي عوامل أخرى خارجة عن سيطرتهم، هذا فقط ما تم ترسيخه في الأذهان منذ الصغر فلا علاقة للرغبة في التعلم بالقدرة على ذلك، وتقول الدكتورة بأنه مجرد معرفتنا لهذه الحقيقة يجعلنا متلقين للعلم بصورة أفضل. وبالتالي فإن تطوير ذاكرتنا ممكن إلى أبعد حد إذا كان لدينا إيمان بذلك واتبعنا الأساليب الصحيحة.

هذه أهم النقاط التي مكنتني من تحسين عملية التعلم لدي بصورة كبيرة، فصار بإمكاني استرجاع المعلومات بصورة جيدة مع الحفاظ على المعلومات السابقة، أتمنى أن تفيدكم كذلك.

دمتم في أمان الله .

صورة التدوينة محفوظة.

الإعلان

11 رأي حول “التكرار..أسلوب تعلُّم فاشل !

  1. اااه ، تدوينة موفقة – الكثير الكثير يحتاجون لها ، آمل أن ينجحوا في ايجادها-
    قبل شهر من قراءة هذه التدوينة تعرفت على قناة طالب الطب المذكور اعلاه – ali aabdal – و رغم انني لا اواجه مشاكل مع الحفظ ،لكنها افادتني كما افاد مقالك في تذكيري بكل ذلك
    بوركت

    Liked by 1 person

  2. يا الهي!
    أخيرًا وجدتُ من يؤانسني في صعوبة الحفظ السريع ! ، مع أني أحفظ أحيانًا على طريقة ” سفري ” تمامًا مثل وجبات سريعة ، تملئين بها بطنك بشكل مؤقت لكنها لا تلبث أن تذهب دون عودة ، حتى لذتها تذهب معها ! ، دومًا واجهتُ صعوبة في الحفظ الحرفي ، استخدامي لطريقة الفهم كان بشكل أكبر ، أحاول ربط ما اريد حفظه بأشياء مألوفة سهلة فيمضي الأمر أحيانًا لكن ليس دائمًا بصراحة ، و دومًا كان هناك شيئًا من تأليفي 😁

    عندنا مقولة مشهورة تقول : التكرار يعلم الحمار !
    تم تحريفها من قِبَل العاملون بطريقة التكرار : التكرار يعلم الشطار !
    من المقالة أرى أني استخدمتُ أحيانًا نقطة رقم واحد و نقطة رقم أربعة ، و فعلتُ شيئًا غريبًا و متهورًا غالبًا ، و هو أني لا أذاكر إلا قبل موعد الإمتحان بساعات قليلة معدودة ، و عندي يقين غريب بأني لما أذاكر قبله بوقت طويل أنساه أنساه كليًا ، و لا أدري صدقية هذا اليقين أم هرائه و لكني أجد نفسي أمضي عليه .

    مقالة جميلة كعادتك شروق ، كل الود 🌸

    Liked by 1 person

    1. المذاكرة قبل الإمتحان بفترة قصيرة تجعل المعلومات تتبخر بسرعة، ولكن هل تعلمين بأن هذا ناتج عن عدم ثقتنا بأداء أدمغتنا للحفاظ على المعلومات لمدة طويلة وبالتالي يجعلنا ذلك بطريقة لا إرادية نؤجل المذاكرة لوقت متأخر، ولكن العكس صحيح لو منحنا أنفسنا الثقة التامة بأن ما يتم مذاكرته لن ينسى و إنما هو موجود فقط في الذاكرة قصيرة المدى التي تحتفظ به على شكل ترابطات يمكن أن تتلاشى سريعا وبالتالي يتطلب منا وقتا أطول لاسترجاعه، ولكن بمجرد استرجاعه سيتم نقله إلى الذاكرة طويلة المدى وفي نفس الوقت تشتد تلك الترابطات وتزداد قوة ويكون طريق الوصول إليها سهل وسريع وبالتالي تضمن حفظه لأطول مدة ممكنة.
      عملية الربط التي تعتمدين عليها جيدة جدا لجعل الترابطات التي ذكرتها أكثر متانة وأكثر قوة.
      ممتنة لك أسماء لإثراء التدوينة..موفقة ⁦❤️⁩

      Liked by 1 person

  3. تدوينة مهمة ومعلومات قيمة، كان من المفترض ان ألتحق بالمساق هذا الشهر إلا أنني ما زلت عالقة في احدى المساقات الصعبة.
    تدوينتك جعلتني اعرف ان علي الالتحاق بسرعة أكبر.
    حديثك عن التكرار جعلني أفهم لماذا ننسى بسرعة نفاثة، أو أننا نستنفذ الوقت في أمر غير مفيد أساسا.
    طريقة العمل بالبطاقات جديرة بالتجريب وسأجربها بإذن الله علّها تسهل علينا حفظ الأطنان التي تنتظرنا.

    ما تقدمينه يا خديجة يجعلني افكر أين كانت خديجة بهذي الطاقة والعلوم الكثيرة مختبأة ولا تدوّن عن ما تتعلمه؟؟؟

    سعيدة أنني أقرأ لك دائما، وأنك تفيديننا بمعلومات عظيمة ..
    بوركتي عزيزتي.

    Liked by 1 person

    1. 😅 خديجة كانت تضع المعلومات في غير مكانها الصحيح، وأنا أسعد بمتابعتك ودعمك دائما عزيزتي، بالمناسبة مشاركة المعلومة يجعلها تترسخ أكثر ههه
      أتمنى أن تلتحقي بالمساق في أقرب وقت..تعلم طريقة التعلم يختصر علينا الكثير من الوقت.
      بالنسبة للبطاقات أصبحت أستخدم تطبيق ankidroid قد تكلمت عنه في نشرة سابقة..أجدها طريقة لطيفة للتذكر.
      ربي يحفظك شروق 🌹🌹

      Liked by 1 person

  4. أولًا هذه تدوينة مفيدة، وينبغي أن تكون مميزة بعلامة مرجعية في هاتفي، بالأمس التحقت بهذا المساق في كورسيرا، سأبدأ فيه اليوم، وليلًا بعد منتصف الليل سأشرع في التنفيذ، وجدت رابط قناة طالب طب في يوتيوب، وكان يكرر فيها توصيته للناس باستخدام طريقة الـ Active Recall هو Ali Abdaal اشتركت في القناة بتوصية منك أو من شروق لا أتذكر تمامًا، المهم حينها قلت لنفسي سأغير طرقي القديمة في المذاكرة وسأرى ماذا سيحدث لاحقًا، منذ 6 أشهر والدراسة متوقفة ستكون العملية صعبة للغاية.

    Liked by 1 person

    1. المساق مفيد جدا، تمنيت لو كنت تعرفت على تلك المعلومات سابقا.
      بالنسبة لقناة ali abdal
      افادتني كذلك في اكتساب طرق مذاكرة جديدة مع الحفاظ على المعلومات السابقة
      بالتوفيق عصمت.

      إعجاب

  5. أؤيد كلامك بشدة ، مع أن التكرار لا زال ينفع في البعض ، على الأقل حتى اجتياز الامتحان .
    التكرار كان ينفعني كثيرا في مراحل دراستي الأولى حتى الثانوية ، لدرجة أنهم كانوا يظنون أني أحفظ “الرياضيات” ، تخيلي ؟! لكن في الجامعة ومع توفر بعض المواد
    الثانوية الذي تستدعي الحفظ تخليت عن التكرار ، أولا لأن المواد جافة لا أستمتع بحفظها ، وثانيا الحفظ بالفرنسية غير ممتع أبدا ومرهق جدا ، لذا فقد اتبعت بشكل أو بآخر أول نقطتين ذكرتِهِما في المقال بتوصية من أخي الأكبر الذي لم يعتمد في حياته أسلوب التكرار حتى في صغره (كم أحسده صراحة ).
    أختي تتبع طريقة أخرى لاستذكار المعلومات ، وهي أن تشرح الدرس “للجدران” كما لو أنها في القسم ، وغالبا ما تشرحه بأسلوب مقدمي الحصص على التلفاز ، والطريقة تنجح معها بشكل رائع .

    شكرا على المقال المفيد.
    سؤال صغير ، في حفظ القرآن مثلا ينصحون بطريقة التكرار كثيرا ، ما رأيك ؟

    Liked by 1 person

    1. أتفق معك في كل ما قلته، ولكن سئمت من تبخر المعلومات بعد الإمتحان فيتطلب مني ذلك المزيد من الوقت للتذكر لاحقا..فوجدت أن الإسترجاع أفضل للترسيخ.
      بالنسبة لحفظ القرآن الكريم لا أعتمد على التكرار بشكل كلي، وإنما بطريقة الحفظ بالتباعد، مثلا أحفظ ثمن في اليوم أعيده في الغد، ثم بعد غد ثم ثمن جديد وهكذا بعد بلوغي لنصف حزب أراجع السابق ثم أراجع الحزب كاملا، هذه الطريقة وجدتها أفضل من التكرار دون الإسترجاع لاحقا..والله أعلم
      كل التوفيق عزيزتي^_^

      Liked by 2 people

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s